تُعدّ عملية تكميم المعدة، المعروفة طبياً باسم استئصال المعدة الطولي (Sleeve Gastrectomy)، من أكثر إجراءات جراحة السمنة شيوعاً على مستوى العالم في الوقت الحالي، وهي خيار جراحي يُلجأ إليه لإدارة السمنة والأمراض الاستقلابية المرتبطة بها لدى المرضى الذين لم تحقق لديهم الحمية الغذائية والتمارين الرياضية والعلاجات الدوائية النتائج المرجوّة، والذين تنطبق عليهم معايير الترشيح المحددة في الإرشادات الدولية. يقوم هذا الإجراء على مبدأ الاستئصال الدائم لجزء كبير من المعدة، ويتطلب مساراً علاجياً متكاملاً يبدأ بتقييم مدى ملاءمة المريض للجراحة، ويمر بالتقنية الجراحية ومرحلة التعافي، ويمتد إلى المتابعة الغذائية ومراقبة الفيتامينات على المدى الطويل. تتناول هذه الصفحة الجوانب السريرية الأساسية لعملية تكميم المعدة من منظور قسم الجراحة العامة في مستشفى كورو بأنقرة، بما يخدم المرضى الدوليين الراغبين في التعرّف على هذا الإجراء.
ما المقصود باستئصال المعدة الطولي (تكميم المعدة) وكيف يُعرَّف طبياً؟
استئصال المعدة الطولي هو إجراء جراحي يُستأصل فيه ما يقارب 70 إلى 80 بالمئة من المعدة على امتداد انحنائها الكبير (الجانب الخارجي)، بحيث يتبقى جزء أنبوبي ضيق يشبه ثمرة الموز أو الأنبوب الطويل. وبهذا يتقلص حجم المعدة من نحو 1500 إلى 2000 مليلتر قبل الجراحة إلى ما يقارب 100 إلى 150 مليلتراً بعدها. ولا يقتصر أثر هذا التصغير على الحدّ الميكانيكي من كمية الطعام المتناولة، بل يمهّد أيضاً لتغيرات هرمونية مهمة تؤثر في الشهية والاستقلاب.
من الناحية التاريخية، وُصف هذا الإجراء في البداية بوصفه المرحلة الأولى من عملية أكثر تعقيداً تُعرف بالتحويل البنكرياسي الصفراوي (BPD/DS). غير أن الملاحظات السريرية أظهرت أن هذه المرحلة الأولى وحدها قادرة على تحقيق فقدان ملحوظ للوزن وتحسّن استقلابي واضح، فتحوّلت مع الوقت إلى إجراء مستقل انتشر عالمياً. وتشير بيانات الاتحاد الدولي لجراحة السمنة والاضطرابات الاستقلابية (IFSO) إلى أن تكميم المعدة أصبح خلال العقد الأخير الإجراء الأكثر إجراءً بين عمليات السمنة في العالم، كما تصنّفه الجمعية الأمريكية لجراحة السمنة والاستقلاب (ASMBS) ضمن الخيارات المستندة إلى الأدلة العلمية.
ومن حيث التعريف الطبي، يُصنَّف تكميم المعدة إجراءً تقييدياً وهرمونياً في آن واحد. فاستئصال الجزء العلوي من المعدة المعروف بقاع المعدة يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في إفراز هرمون الغريلين المسؤول عن الإحساس بالجوع. لذلك لا يُنظر إلى العملية على أنها مجرد تصغير حجمي، بل مقاربة جراحية تؤثر في تنظيم الشهية والتوازن الاستقلابي، وهو ما يبرر إدراجها ضمن ما يُعرف بالجراحة الاستقلابية. وتُستخدم هذه الجراحة في حالات السمنة المتقدمة ليس فقط بهدف إنقاص الوزن، بل أيضاً بوصفها خياراً فعالاً في إدارة الأمراض المرافقة مثل السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم وانقطاع النفس أثناء النوم ومقاومة الإنسولين واضطراب شحوم الدم.
ما آلية عمل عملية تكميم المعدة؟
تعمل عملية تكميم المعدة عبر محورين رئيسيين: التقييد الفيزيائي والتنظيم الهرموني. يتحقق التقييد الفيزيائي بتقليص حجم المعدة بشكل كبير، فيشعر المريض بالشبع بعد تناول كمية صغيرة من الطعام، وينخفض تبعاً لذلك إجمالي السعرات الحرارية اليومية انخفاضاً واضحاً. كما يُحدث الشكل الأنبوبي الضيق للمعدة تغيراً في سرعة إفراغها، إذ تنتقل الأطعمة إلى الأمعاء الدقيقة بوتيرة أسرع، ما يؤدي إلى تفعيل إشارات الشبع في وقت مبكر.
أما التنظيم الهرموني فيمثّل أحد أهم الآثار الاستقلابية لهذه الجراحة. فقاع المعدة الذي يُستأصل أثناء العملية هو المصدر الأساسي لهرمون الغريلين المنظِّم للشهية، وبعد الجراحة يُلاحظ انخفاض واضح في مستوياته، وقد أُفيد بأن ذلك يترافق مع تراجع الإحساس بالجوع وانحسار الرغبة في تناول الطعام بين الوجبات وتيسّر التحكم الفردي في الشهية. وفي المقابل يزداد إفراز هرمونات الشبع مثل الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1 (GLP-1) والببتيد YY (PYY)، وهي تغيرات تسهم في ضبط سكر الدم وتُحدث آثاراً إيجابية مبكرة على السكري من النوع الثاني.
وعلى الصعيد الاستقلابي، أظهرت الدراسات العلمية ازدياد حساسية الإنسولين وتراجع تشحّم الكبد بعد الجراحة. وتشير بيانات الاتحاد الدولي لجراحة السمنة والجمعية الأمريكية للسكري (ADA) إلى أن معدلات هدأة السكري من النوع الثاني بعد التكميم تتراوح على المدى القصير بين 60 و80 بالمئة، وتستقر عند نحو 50 بالمئة في المتابعات الممتدة خمس سنوات. كما يُسجَّل متوسط نسبة فقدان الوزن الزائد (%EWL) خلال خمس سنوات بين 55 و70 بالمئة تقريباً. ومن المهم إدراك أن النتائج لا تتوقف على التقنية الجراحية وحدها، بل ترتبط أيضاً بالمواظبة على النظام الغذائي بعد الجراحة وممارسة النشاط البدني واستمرار الدعم النفسي؛ فآلية العمل تُقيَّم ضمن مقاربة متعددة المكوّنات لا ضمن الجراحة وحدها.
ما الفرق بين تكميم المعدة وتحويل المسار وغيرهما من عمليات السمنة؟
تضم جراحة السمنة تقنيات متعددة، ولكل منها آلية تأثير خاصة ومزايا وحدود مختلفة. فبينما يُعدّ تكميم المعدة إجراءً تقييدياً ذا تأثير هرموني، فإن تحويل مسار المعدة (Roux-en-Y Gastric Bypass أو RYGB) يجمع بين التقييد وتقليل الامتصاص. ففي تحويل المسار يُحوَّل جزء صغير من المعدة إلى جيب ضيق، ثم يوصَل هذا الجيب بالأمعاء الدقيقة مع تجاوز قسم منها، فتقل بذلك كمية الطعام المتناولة وكمية السعرات الممتصة معاً. أما تحويل المسار المصغّر (OAGB) ذو المفاغرة الواحدة فيوفر آلية مشابهة بتقنية جراحية أبسط.
يكمن الفارق الأبرز في تكميم المعدة في عدم إجراء أي تعديل على مسار الأمعاء؛ إذ يحافظ الجهاز الهضمي على مساره الطبيعي ويبقى امتصاص العناصر الغذائية سليماً إلى حد كبير. ولهذا يحمل التكميم خطراً أقل من عمليات تحويل المسار فيما يتعلق بنقص الفيتامينات والمعادن على المدى الطويل، وإن كانت متابعة فيتامين B12 وفيتامين D والحديد والكالسيوم تظل ضرورية في جميع الأحوال. وفي المقابل يُلاحظ نقص الفيتامينات والمعادن بوتيرة أعلى بعد تحويل المسار بسبب سوء الامتصاص، وقد يستلزم ذلك دعماً مكثفاً مدى الحياة. ومع ذلك، تفيد التقارير العلمية بأن تحويل المسار قد يُظهر لدى بعض المرضى تأثيراً استقلابياً أقوى فيما يخص هدأة السكري من النوع الثاني وضبط شحوم الدم.
أما التحويل البنكرياسي الصفراوي (BPD/DS) فهو الأشد تأثيراً من حيث تقليل الامتصاص، ويُفضَّل في الحالات ذات مؤشر كتلة الجسم المرتفع جداً، وتكون نسبة فقدان الوزن معه عالية، لكنه يستوجب متابعة غذائية بالغة الدقة. وعند تقييم مرضى الارتجاع المعدي المريئي (GERD)، يُخطَّط لتكميم المعدة بحذر لدى من لديهم تاريخ ارتجاع شديد، وقد يكون تحويل المسار خياراً أنسب في هذه الحالات. ويتخذ فريق جراحة السمنة القرار الجراحي بصورة فردية بعد تقييم مؤشر كتلة الجسم والأمراض المرافقة وعادات الأكل ووضع الارتجاع والعمليات البطنية السابقة وتفضيلات المريض، إذ تحدد الإرشادات المستندة إلى الأدلة بوضوح أي الطرق يمكن النظر فيها لكل مريض.
من هم المرشحون المناسبون لعملية تكميم المعدة وما الشروط المطلوبة؟
يُحدَّد المرشح المناسب لتكميم المعدة استناداً إلى الإرشادات الدولية وإلى تقييم متعدد التخصصات. فقد وسّعت معايير الاتحاد الدولي لجراحة السمنة لعام 2022 وتوصيات الجمعية الأمريكية لجراحة السمنة نطاق دواعي الجراحة، بحيث لم يعد مؤشر كتلة الجسم (BMI) وحده هو المعيار، بل تدخل في القرار أيضاً الحالة الاستقلابية والأمراض المرافقة ومدى تدهور جودة الحياة. ويُعتمد في تقييم المرشحين نهج فريق متكامل يضم اختصاصي التغذية وطبيب الغدد الصماء والطبيب النفسي واختصاصي الأمراض الصدرية وجرّاح الجراحة العامة.
ووفق المعايير الأساسية، يُعدّ الأشخاص الذين يبلغ مؤشر كتلة الجسم لديهم 40 كغ/م² فأكثر مرشحين مباشرين لجراحة السمنة. كما يُنظر في خيار التكميم لمن يتراوح مؤشرهم بين 35 و40 كغ/م² إذا ترافق ذلك مع أمراض مصاحبة مثل السكري من النوع الثاني أو ارتفاع ضغط الدم أو انقطاع النفس أثناء النوم أو اضطراب شحوم الدم أو تشحّم الكبد. وفي الإرشادات المحدَّثة خلال السنوات الأخيرة، أصبح المرضى الذين يتراوح مؤشرهم بين 30 و35 كغ/م² ويعانون سكرياً من النوع الثاني مقاوماً للعلاج الدوائي يُقيَّمون ضمن إطار الجراحة الاستقلابية؛ غير أن القرار في هذه الفئة يُتخذ بحسب الحالة السريرية الفردية وتحتل استشارة الغدد الصماء موقعاً أساسياً فيه.
ولا يقتصر التقييم على الأرقام وحدها، بل يشمل أيضاً تاريخ محاولات إنقاص الوزن؛ فالقرار الجراحي يستند إلى أساس أمتن لدى من لم يحققوا نتائج كافية بالحمية والتمارين والعلاج السلوكي والخيارات الدوائية. ويجب قبل الجراحة معالجة اضطرابات سلوك الأكل ونوبات الأكل القهري غير المنضبطة والأمراض النفسية غير المعالَجة وتاريخ الإدمان إن وُجد. ومن الأهمية بمكان كذلك قدرة المريض على الالتزام ببرنامج المتابعة طويل الأمد والتغييرات الغذائية والمكملات المنتظمة بعد الجراحة. وتُعدّ مرحلة اختيار المرشح المناسب من أكثر المراحل حسماً في التأثير على نجاح الجراحة ونتائجها البعيدة.
ما مؤشر كتلة الجسم المطلوب لتكميم المعدة وما الفئة العمرية المناسبة؟
يحتل مؤشر كتلة الجسم (BMI) موقع الصدارة بين معايير قرار جراحة تكميم المعدة، وهو مقياس يُحسب بقسمة وزن الشخص بالكيلوغرام على مربع طوله بالمتر، ويُستخدم دولياً في تصنيف درجات السمنة وتحديد دواعي الجراحة. وتعرّف إرشادات IFSO وASMBS مؤشر كتلة الجسم البالغ 40 كغ/م² فأكثر بوصفه الاستطباب الأول لتكميم المعدة؛ إذ تُصنَّف هذه الفئة تقليدياً ضمن السمنة المفرطة وهي الفئة التي يُتوقع أن تستفيد من الجراحة أكثر من غيرها.
أما من يتراوح مؤشرهم بين 35 و39.9 كغ/م² فيُقيَّمون مرشحين للجراحة عند وجود أمراض مرافقة مثل السكري من النوع الثاني أو انقطاع النفس أثناء النوم أو ارتفاع ضغط الدم أو اضطراب شحوم الدم أو مقاومة الإنسولين أو متلازمة المبيض متعدد الكيسات أو أمراض المفاصل الشديدة أو تشحّم الكبد. كما حددت الإرشادات الحديثة بوضوح استطباب الجراحة الاستقلابية لدى مرضى السكري من النوع الثاني غير المستجيبين للعلاج الدوائي ممن يتراوح مؤشرهم بين 30 و34.9 كغ/م²، ويكون الهدف في هذه الفئة ضبط سكر الدم جراحياً إلى جانب إنقاص الوزن، وهو نهج تدعمه البيانات المشتركة الصادرة عن الجمعية الأمريكية للسكري والجمعية الأوروبية لدراسة السكري (EASD).
ومن حيث العمر، تمتد الحدود التقليدية لتطبيق تكميم المعدة بين 18 و65 عاماً. غير أن التطور في إمكانات التخدير والجراحة أتاح في السنوات الأخيرة إجراء العملية لدى حالات منتقاة بعناية فوق سن 65، ولدى مراهقين يعانون سمنة شديدة. ويُتخذ القرار في الفئات العمرية غير البالغة بتقييم مشترك بين فرق الغدد الصماء لدى الأطفال وجراحة الأطفال. ولا يُعدّ العمر وحده عاملاً حاسماً؛ فالتقييم يقوم على العمر البيولوجي والأمراض المرافقة والاحتياطي القلبي والتوافق النفسي والاجتماعي مجتمعة، ويتشكل قرار الترشيح نتيجة تقييم سريري متعدد الأبعاد لا نتيجة عتبة رقمية واحدة.
ما معايير سلّم قياس مؤشر كتلة الجسم؟
يُستخدم سلّم مؤشر كتلة الجسم وفق النطاقات القياسية التي حددتها منظمة الصحة العالمية، ويشمل فئات النحافة والوزن الطبيعي وزيادة الوزن والسمنة والسمنة المفرطة. فمن يقل مؤشرهم عن 18.5 كغ/م² يُصنَّفون ضمن النحافة، ومن يتراوح مؤشرهم بين 18.5 و24.9 كغ/م² ضمن الوزن الطبيعي، وهاتان الفئتان خارج نطاق الإدارة الجراحية للوزن. أما من يتراوح مؤشرهم بين 25 و29.9 كغ/م² فيقعون في فئة زيادة الوزن، ويوصى لهم عادة بتعديل نمط الحياة وتنظيم الحمية وممارسة الرياضة، مع علاج سلوكي عند الحاجة.
ويُعرَّف النطاق بين 30 و34.9 كغ/م² بالسمنة من الدرجة الأولى، وتكون الأولوية فيه للعلاج الدوائي وتغيير نمط الحياة، لكن يمكن النظر في الجراحة الاستقلابية عند وجود أمراض استقلابية كالسكري من النوع الثاني وعدم الاستجابة للعلاج الطبي. ويمثل النطاق بين 35 و39.9 كغ/م² السمنة من الدرجة الثانية، وهو عتبة مهمة للترشيح لجراحة السمنة عند اقترانه بالأمراض المرافقة. أما القيم البالغة 40 كغ/م² فأكثر فتُسمى السمنة من الدرجة الثالثة أو السمنة المفرطة، وتشمل الأفراد الذين تتوفر لديهم دواعي جراحة السمنة بشكل مباشر.
وتوجد كذلك فئتان تُعرفان بالسمنة الفائقة والسمنة الفائقة جداً؛ إذ يُصنَّف مؤشر 50 كغ/م² فأكثر سمنة فائقة، و60 كغ/م² فأكثر سمنة فائقة جداً. وتتطلب هاتان الفئتان مقاربات مختلفة في اختيار التقنية الجراحية وإدارة التخدير ومخاطر ما حول الجراحة؛ فقد يُفضَّل في بعض الحالات تكميم المعدة على مرحلة واحدة، بينما يمكن عند القيم المرتفعة جداً النظر في مقاربات على مرحلتين أو تقنيات بديلة كالتحويل البنكرياسي الصفراوي. ومع أن مؤشر كتلة الجسم لا يكفي وحده مؤشراً شاملاً، إذ تكتمل الصورة السريرية بقياس محيط الخصر ونسبة الخصر إلى الورك ونسبة دهون الجسم والملف الاستقلابي، فإنه يظل المرجع الأساسي في قرار الجراحة ضمن الممارسة السريرية اليومية.
ما الفئة العمرية المناسبة لتكميم المعدة؟
يتجاوز تحديد الفئة العمرية في جراحة تكميم المعدة مجرد رقم واحد، فهو يقوم على تقييم سريري واسع. اعتمدت المقاربة التقليدية النطاق العمري بين 18 و65 عاماً أساساً للجراحة، لكن الخبرة السريرية المتراكمة والتقدم في التخدير والجراحة بالمنظار جعلا هذه الحدود أكثر مرونة؛ فقد أصبح من الممكن قبول المراهقين وكبار السن مرشحين للجراحة بعد تقييم سريري ملائم.
ففي فئة المراهقين، يُتخذ القرار الجراحي عبر فريق يضم اختصاصي الغدد الصماء لدى الأطفال وجرّاح الأطفال والطبيب النفسي للأطفال واختصاصي التغذية معاً. ويُنظر في جراحة السمنة لدى المراهقين الذين يتجاوز مؤشر كتلة الجسم لديهم 40 كغ/م²، أو يتجاوز 35 كغ/م² مع وجود مرض مرافق شديد مثل السكري من النوع الثاني أو انقطاع النفس أثناء النوم أو تشحّم الكبد الشديد. وتُعدّ عوامل مثل اكتمال النمو الهيكلي إلى حد كبير، والموقف الداعم من الأسرة، والنضج الكافي لدى المريض، والقدرة على الالتزام بالمتابعة طويلة الأمد، عناصر حاسمة في هذا القرار. وتستند الإرشادات الدولية في ذلك إلى دراسات تشير إلى إمكانية تراجع المضاعفات المرتبطة بالسمنة عند التدخل المبكر في سن المراهقة.
أما لدى من تجاوزوا 65 عاماً فيُجرى التقييم السريري بتفصيل أكبر؛ إذ يشكّل الاحتياطي القلبي ووظائف الرئة والكلى والأدوية المستخدمة والأمراض المرافقة العوامل الأساسية المحدِّدة لمخاطر ما حول الجراحة. ويُعدّ العمر البيولوجي مؤشراً أهم من العمر الزمني في هذا السياق. ويمكن إجراء تكميم المعدة لدى حالات منتقاة بعناية في الفئة العمرية 65-70 عاماً بعد تقييم دقيق، مع إمكانية تحقيق تحسّن ملموس في جودة الحياة، وإن كانت وتيرة فقدان الوزن لدى كبار السن قد تكون أبطأ منها لدى الشباب، وتستلزم المتابعة الغذائية عناية أشد. وفيما يخص من تجاوزوا السبعين، يُتخذ القرار بالكامل بناءً على الصورة السريرية الفردية. والغاية الأساسية من تحديد الفئة العمرية هي انتقاء المجموعة التي يُتوقع أن تحقق أكبر فائدة من الجراحة بأقل قدر من المخاطر؛ فالعمر مكوّن واحد ضمن تقييم متعدد الأبعاد وليس عتبة حاسمة بمفرده.
ما الحالات التي تمنع إجراء تكميم المعدة ولمن لا تُجرى العملية؟
إلى جانب معايير الترشيح، لا بد من تحديد موانع الجراحة بوضوح، وتُقسَّم هذه الموانع إلى مطلقة ونسبية. تشمل الموانع المطلقة: قصور القلب المتقدم، ومرض الشرايين التاجية غير المنضبط، والقصور التنفسي الشديد، وتشمّع الكبد المتقدم (لا سيما مع فرط ضغط الدم البابي)، والخضوع لعلاج فعّال لمرض سرطاني، واضطرابات النزف الشديدة، والأمراض النفسية الخطيرة غير المعالَجة. وعند وجود أي من هذه الحالات يُمتنع عن التدخل الجراحي.
أما الموانع النسبية فتشمل: السكري من النوع الأول غير المنضبط، والقرحة الهضمية النشطة، وعدوى الملوية البوابية (Helicobacter pylori) غير المعالَجة، والارتجاع المعدي المريئي الشديد، ومريء باريت، وإدمان الكحول والمواد، والاكتئاب الشديد أو اضطرابات الأكل غير المعالَجة. ويمكن بعد العلاج المناسب لهذه الحالات إعادة النظر في خيار التكميم بتقييم فردي. وتجدر الإشارة إلى أنه في حالات الارتجاع المتقدم قد يكون تحويل مسار المعدة خياراً أنسب من التكميم، وهو تمييز مؤثر في جودة الحياة بعد الجراحة.
ولا تُجرى جراحة السمنة أثناء الحمل، ويوصى لدى النساء الراغبات في الإنجاب بتجنّب الحمل خلال الأشهر الاثني عشر إلى الثمانية عشر الأولى بعد العملية؛ فهذه هي الفترة التي يستقر فيها فقدان الوزن وتبدأ معها المرحلة الآمنة من الناحية الغذائية. ويشمل التقييم قبل الجراحة تنظير الجهاز الهضمي العلوي وفحوصه، وتخطيط صدى القلب، واختبارات وظائف الرئة، ولوحة تحاليل كيميائية حيوية شاملة، إضافة إلى تقييم نفسي يُعدّ خطوة مهمة لاستشراف الالتزام طويل الأمد. ويُطلَع المريض بالتفصيل على ما تفرضه الجراحة من تغيير غذائي مدى الحياة ومكملات فيتامينية ومتابعة سريرية دائمة، ويُعدّ استكمال إجراءات الموافقة المستنيرة واجباً أخلاقياً وسريرياً في آن واحد. إن التقييم الدقيق لموانع الجراحة من العوامل الأساسية المؤثرة مباشرة في نجاح العملية وسلامة المريض.
كيف تُجرى عملية تكميم المعدة؟
تُجرى عملية تكميم المعدة في الممارسة الجراحية الحديثة بالمنظار (الجراحة المغلقة) في الغالبية العظمى من الحالات؛ إذ تُفتح في جدار البطن 4 إلى 6 فتحات صغيرة تُدخل عبرها الأدوات الجراحية الخاصة ومنظومة الكاميرا. وتتم العملية تحت التخدير العام على يد فريق جراحة سمنة متمرس يضم الجرّاح والجرّاح المساعد وطبيب التخدير والممرضة والفني. وقبل الجراحة يُعطى المريض مضاداً حيوياً وقائياً وتُتخذ تدابير الوقاية من الجلطات الوريدية، فتُلبَس الجوارب الضاغطة ويُطبَّق الضغط الميكانيكي.
تبدأ الخطوات الجراحية بتحرير الأربطة الممتدة على طول الانحناء الكبير للمعدة باستخدام أجهزة طاقة خاصة (مقص ثنائي القطب أو بالموجات فوق الصوتية)، ثم تُكشف زاوية هيس وعلاقة الجدار الخلفي. يبدأ الجرّاح العمل على بُعد نحو 2 إلى 6 سنتيمترات (وعادة 2 إلى 4 سنتيمترات) من البوّاب (مخرج المعدة)، ويُدخَل داخل المعدة أنبوب معايرة يُعرف بالبوجي يعمل دليلاً يحدد القطر النهائي للمعدة، ويكون قطره عادة بين 36 و40 فرنش. وبإرشاد هذا الأنبوب تُحوَّل المعدة إلى شكل أنبوبي باستخدام أجهزة الدباسة الجراحية التي تقصّ الأنسجة وتغلقها في الوقت نفسه.
بعد اكتمال التدبيس، يُستخرج الجزء المستأصل من المعدة خارج البطن داخل كيس خاص، ويُفحص خط التدبيس للتأكد من عدم وجود نزف، وقد تُضاف غرزٌ في المواضع التي تستدعي ذلك. وفي بعض الحالات تُستخدم غرز مصلية (تغطي الطبقة الخارجية) أو مواد تدعيم حيوية لتقوية خط الخياطة. وفي نهاية العملية يُتحقق من سلامة خط التدبيس عبر اختبار الصبغة الزرقاء أو اختبار تسرب الهواء. أما وضع أنبوب تصريف داخل البطن فأمر يعود إلى تقدير الجرّاح، وقد ابتعدت معظم المراكز في السنوات الأخيرة عن استخدامه روتينياً. وبعد إغلاق مواضع الفتحات يُوقَظ المريض ويُنقل إلى جناح ما بعد الجراحة تحت مراقبة لصيقة. تستغرق الجراحة في المتوسط بين 60 و120 دقيقة، وقد تؤثر الخصائص التشريحية للمريض في هذه المدة.
كيف تكون جراحة تكميم المعدة بالمنظار (الطريقة المغلقة)؟
تقوم جراحة تكميم المعدة بالمنظار على مبادئ الجراحة طفيفة التوغل؛ فبدلاً من شق جراحي واسع، تُجرى العملية عبر مبازل صغيرة (قنيات دخول خاصة) تُثبَّت في جدار البطن. ويُنفخ البطن بغاز ثاني أكسيد الكربون لإنشاء مساحة عمل فيما يُعرف باسترواح الصفاق. وبفضل منظومات الكاميرا عالية الدقة يستطيع الجرّاح رؤية حقل العملية بصورة مكبّرة، وهي ميزة بصرية تتيح تقييماً أدق للأوعية والأنسجة.
وللطريقة المنظارية مزايا واضحة مقارنة بالجراحة المفتوحة؛ فمستوى الألم بعد العملية يكون عادة أخف، ومدة التعافي أقصر، ومدة البقاء في المستشفى أقل، والعودة إلى العمل أسرع. كما أن صغر آثار الجروح ينعكس إيجاباً على التكيف النفسي والاجتماعي للمريض. وتنخفض بشكل ملحوظ معدلات التهاب الجرح وفتوق جدار البطن والمضاعفات التنفسية مقارنة بالجراحة المفتوحة. وقد جعلت هذه المزايا مجتمعة المقاربة المنظارية الأسلوب المعتمد على نطاق واسع في جراحة السمنة.
وفي السنوات الأخيرة دخلت تقنيات أحدث مجال تكميم المعدة، مثل المنظومات الجراحية الروبوتية والمنظار أحادي المنفذ. فالتكميم الروبوتي يتيح للجرّاح العمل من وحدة تحكم بحركات عالية الدقة، ويوفر ميزة حركية خاصة لدى الحالات ذات مؤشر كتلة الجسم المرتفع جداً، غير أن تكلفة المنظومة الروبوتية ومدة العملية بها أعلى من الطريقة المنظارية. أما المنظار أحادي المنفذ فيُجري العملية عبر شق واحد حول السرّة، وهو مفيد من الناحية التجميلية لكنه يتطلب خبرة تقنية. ويرتبط نجاح الطريقة المغلقة بخبرة الفريق الجراحي واستخدام المعدات الملائمة واستكمال التحضير قبل الجراحة والعناية الدقيقة بعدها. كما تمثل البروتوكولات الجراحية الموحدة وبرنامج التعافي المعزز بعد الجراحة (ERAS) برامج علمية الأساس تؤثر إيجاباً في سرعة التعافي.
كيف يُقلَّل خطر التسريب أثناء الجراحة؟ وما الدباسة ثلاثية الصفوف واختبار التسريب؟
يأتي تسريب خط التدبيس في مقدمة المضاعفات المهمة بعد تكميم المعدة، ويُعرَّف بأنه تسرّب محتوى المعدة إلى جوف البطن عبر الخط الذي أُغلق بالتدبيس أثناء الجراحة. تُقدَّر نسبة التسريب في الأدبيات الطبية العامة بين 1 و3 بالمئة، وقد أظهرت الدراسات أن هذه النسبة يمكن أن تنخفض إلى ما دون 1 بالمئة بفضل التقنيات الحديثة والأجهزة الجراحية المتطورة. ويُعتمد لتقليل خطر التسريب نهج متعدد الطبقات يشمل اختيار الجهاز والتقنية الجراحية والاختبارات المجراة أثناء العملية.
الدباسة ثلاثية الصفوف جهاز تدبيس جراحي خاص يُستخدم أثناء العملية؛ فبدلاً من صفّي الدبابيس في الدباسات التقليدية، يطبّق هذا الجهاز ثلاثة صفوف، ما يمنح خط الخياطة تماسكاً أقوى. وتختلف أطوال الدبابيس بحسب سماكة النسيج المستهدف؛ إذ تُستخدم في مناطق المعدة المختلفة ارتفاعات مختلفة: دبابيس أطول لمنطقة الغار (الجزء السميك القريب من مخرج المعدة) وأقصر لجسم المعدة وقاعها. ويُسهم اختيار الدباسة الملائمة لسماكة النسيج في تقليل النزف وخطر التسريب معاً، ولهذا يجري الاختيار وفق إطار إرشادي موحد.
أما اختبار التسريب فيُجرى في المرحلة الأخيرة من العملية للتحقق من سلامة خط التدبيس، وأكثر طريقتين استخداماً هما اختبار أزرق الميثيلين واختبار تسرب الهواء. في الأول يُعطى سائل ملوّن عبر أنبوب أنفي معدي ويُراقَب ظهور أي تلوّن على امتداد خط الخياطة، وفي الثاني يُدفع هواء نحو خط الخياطة المغمور بالسائل ويُقيَّم خروج أي فقاعات. وتتيح هذه الاختبارات كشف التسريبات الدقيقة مبكراً وإصلاحها أثناء العملية نفسها. وتفيد الأدبيات الطبية بأن معدل الوفيات خلال 30 يوماً يتراوح بين 0.1 و0.3 بالمئة، وأن نسبة المضاعفات الكبرى تقارب 5 بالمئة. وبعد الجراحة تُطبَّق الوقاية من الانصمام الخثاري الوريدي بالهيبارين منخفض الوزن الجزيئي، ويتراوح خطر خثار الأوردة العميقة والانصمام الرئوي بين 0.3 و1 بالمئة. ومن المضاعفات النادرة على المدى الطويل: الارتجاع المعدي المريئي المستجد بعد الجراحة بنسبة تتراوح بين 15 و30 بالمئة، مع احتمال ازدياد خطر تطور مريء باريت على المدى البعيد في الحالات التي يستمر فيها الارتجاع. كما يُبلَّغ نادراً عن تضيّق على امتداد خط التدبيس (بنسبة 1 إلى 2 بالمئة، ويُدار بالتوسيع بالمنظار)، وعن خثار الوريد البابي (بنسبة تقل عن 1 بالمئة لكنه قد يكون خطيراً)، وعن إصابة نادرة للطحال أثناء العملية. وتشمل التدابير الوقائية الإضافية تدعيم خط الخياطة بغرز مصلية، واستخدام رقعة حيوية، وتطبيق مواد لاصقة من الفيبرين. وعند تطبيق هذه التدابير مجتمعة يمكن خفض خطر التسريب بعد الجراحة بدرجة ملموسة بما يسهم في تعزيز سلامة المريض.
كم تستغرق عملية تكميم المعدة وما مدة الإقامة في المستشفى؟
تتفاوت مدة عملية تكميم المعدة تبعاً لخبرة الفريق الجراحي والخصائص التشريحية للمريض ودرجة تشحّم البطن ووجود عمليات بطنية سابقة، وتتراوح المدة في المتوسط بين 60 و120 دقيقة. وفي المراكز المتمرسة تستغرق الحالات الاعتيادية بين 60 و90 دقيقة، وقد تطول المدة قليلاً لدى الحالات ذات مؤشر كتلة الجسم المرتفع جداً، أو عند وجود فص كبدي أيسر متضخم، أو التصاقات داخل البطن. غير أن طول مدة العملية لا يحدد وحده نجاحها؛ فجودة التقنية الجراحية هي العنصر الحاسم.
وتُخطَّط مدة الإقامة في المستشفى وفق بروتوكولات المراقبة بعد الجراحة والمسار السريري للمريض. ففي الممارسة الاعتيادية يُتابَع المريض يوم العملية في وحدة العناية المركزة أو في غرفة جناح ذات مراقبة لصيقة، وتُراقَب في الساعات الأربع والعشرين الأولى السيطرة على الألم وتوازن السوائل والأملاح والنبض وضغط الدم والحرارة والحالة التنفسية عن كثب. وفي صباح اليوم الأول بعد الجراحة يمكن إجراء تصوير شعاعي للجهاز الهضمي العلوي أو دراسة بمادة تباين فموية لتقييم سلامة خط الخياطة، ويُبدأ بإعطاء السوائل فموياً بشكل تدريجي في الحالات التي لا تظهر فيها علامات تسريب.
يبلغ متوسط مدة الإقامة بين يومين وأربعة أيام، ويمكن اختصارها إلى يوم أو يومين في المراكز التي تطبّق بروتوكولات التعافي المعزز بعد الجراحة (ERAS). وتتمثل معايير الخروج الأساسية في تحمّل السوائل الفموية، وإمكانية ضبط الألم بالمسكنات الفموية، وغياب الحرارة، وتراجع الغثيان والقيء. وبعد الخروج، يُنصح خلال الثماني والأربعين ساعة الأولى بتجنّب الاستلقاء المديد، والمشي لمسافات قصيرة على فترات متقاربة، ومواصلة تمارين التنفس؛ فهذا النهج يسهم في الوقاية من الجلطات ومضاعفات الرئة. ويُحدَّد موعد أول فحص مراجعة خلال أسبوع إلى أسبوعين بعد الجراحة، ثم تُجرى المتابعات في الأشهر الأول والثالث والسادس والثاني عشر، ويُنتقل بعدها إلى برنامج متابعة سنوي. وتُعدّ المراقبة طويلة الأمد عاملاً حاسماً في الحفاظ على فقدان الوزن بعد التكميم والكشف المبكر عن أي نقص محتمل.
كيف تسير مرحلة التعافي بعد عملية تكميم المعدة؟
تُخطَّط مرحلة التعافي بعد تكميم المعدة بحيث يسير الشفاء الجسدي للجراحة والتكيف مع تغييرات نمط الحياة جنباً إلى جنب. يمثل الأسبوع الأول بعد العملية فترة حساسة لالتئام خط الخياطة وانحسار وذمة الأنسجة؛ إذ يبدأ المريض فيه بتغذية سائلة أساساً ويُرفع مستوى النشاط البدني تدريجياً. ويُضبط الألم بعد الجراحة عادة بالمسكنات الفموية، ويتراجع الإحساس الخفيف بالشدّ في الأيام الأولى بمرور الوقت بشكل واضح. أما الحرارة أو اشتداد ألم البطن أو تسارع ضربات القلب أو عدم استقرار ضغط الدم فتُعامل بوصفها علامات منذرة باحتمال تسريب، وتستدعي تقييماً سريرياً فورياً.
بين الأسبوعين الثاني والرابع من التعافي يُنتقل من الحمية السائلة إلى الأطعمة المهروسة، وهو انتقال يهدف إلى تكيّف المعدة مع حجمها الجديد وحماية خط الخياطة الملتئم. وبين الأسبوعين الرابع والسادس يُنتقل إلى الأطعمة الصلبة اللينة، ثم يبدأ الانتقال التدريجي إلى الغذاء الصلب المعتاد اعتباراً من الشهر الثاني بعد الجراحة. وفي هذه المرحلة يُحدَّد حجم الحصص ومدة المضغ والفصل بين السوائل والأطعمة الصلبة وتخطيط الوجبات بإرشاد اختصاصي تغذية معني بجراحة السمنة. ويستطيع العاملون في المكاتب العودة إلى أعمالهم خلال 3 إلى 4 أسابيع في المتوسط، بينما قد تمتد هذه المدة إلى 6 إلى 8 أسابيع لدى من يمارسون أعمالاً بدنية شاقة.
ويبدأ النشاط البدني منذ الأيام الأولى بمشي قصير، ولا يُنصح خلال الأسابيع الثلاثة الأولى برفع أحمال تتجاوز 5 إلى 10 كيلوغرامات. ومن الأسبوع الرابع تُزاد مدة المشي، ومن الأسبوع السادس يمكن إضافة أنشطة كالسباحة وركوب الدراجة وتمارين المقاومة الخفيفة. أما الحياة الزوجية فتعود تدريجياً إلى طبيعتها بعد الأسبوعين إلى الثلاثة الأولى عندما يشعر المريض بالتحسن ويكتمل التئام خط الخياطة. ومن المعروف أن جراحة السمنة تترافق مع تغيرات إيجابية طويلة الأمد في الوظيفة الجنسية، إذ تُلاحظ تحسينات واضحة في جودة الحياة بفضل الآثار الهرمونية والنفسية والاجتماعية لفقدان الوزن. وعندما تُدار مرحلة التعافي بصورة متكاملة بتعاون المريض والجرّاح واختصاصي التغذية والاختصاصي النفسي واختصاصي العلاج الطبيعي، تكون النتائج أكثر استدامة على المدى الطويل.
كيف تُطبَّق مراحل التغذية السائلة والمهروسة والصلبة؟
تتكون التغذية بعد تكميم المعدة من أربع مراحل رئيسية متدرجة: المرحلة السائلة (من اليوم الأول حتى الأسبوع الثاني)، ثم المهروسة (الأسبوعان الثاني إلى الرابع)، ثم الصلبة اللينة (الأسبوعان الرابع إلى السادس)، وأخيراً الغذاء الصلب المعتاد (اعتباراً من الشهر الثاني تقريباً). وتُخطَّط كل مرحلة بحسب التئام المعدة بعد الجراحة وتكيّفها الحجمي والقوام الغذائي الذي يستطيع المريض تحمّله. ففي الأسبوعين الأولين تُعتمد الحمية السائلة، وتُفضَّل فيها السوائل الخالية من السكر، وعصائر الفاكهة منخفضة السكر، والشوربات المصفّاة، ومرق اللحم منزوع الدسم، والحليب واللبن الرائب (العيران)، والمشروبات المدعّمة بالبروتين غير المحلاة؛ والهدف هو نمط غذائي سهل المرور على المعدة يؤمّن في الوقت نفسه ما يكفي من السوائل والبروتين.
وبعد المرحلة السائلة يُنتقل بين الأسبوعين الثاني والرابع إلى قوام المهروس، حيث تُمرَّر الأطعمة في الخلاط حتى تقارب قوام اللبن الزبادي. وتناسب هذه المرحلة خيارات مثل البيض، ومهروس الخضراوات جيدة الطهي، واللبن المصفّى، والجبن الطازج، واللحم الأحمر والدجاج المفرومين جيداً، والسمك المهروس جيداً. ويُعدّ البروتين من أهم أولويات التغذية بعد جراحة السمنة، إذ يُستهدف تناول 60 إلى 80 غراماً منه يومياً؛ فالمقدار الكافي من البروتين يسهم في الحفاظ على الكتلة العضلية والتئام الجروح والتقليل من تساقط الشعر إلى أدنى حد. وفي الوقت نفسه يُحرص على شرب كمية كافية من السوائل بين الوجبات، على ألا تُشرب السوائل مع الوجبة نفسها، بل يُترك فاصل يقارب 30 دقيقة بين الوجبة وتناول السوائل.
وبين الأسبوعين الرابع والسادس يُنتقل إلى الأطعمة الصلبة اللينة، فتُجرَّب الخضراوات المطهوة جيداً والأرز والمعكرونة والخبز المرطّب وصدر الدجاج والسمك وكرات اللحم وغيرها من الأطعمة سهلة المضغ. ثم يُنتقل اعتباراً من الشهر الثاني تقريباً إلى الغذاء الصلب المعتاد، على أن تستمر مراقبة حجم الحصص ومدة المضغ وتواتر الوجبات مدى الحياة. ومن المهم الالتزام بحصص صغيرة ومضغ طويل وتخطيط 4 إلى 6 وجبات يومياً مع الحفاظ على تنوع الغذاء، وتقييد الأطعمة عالية الدهون والسكر والمشروبات الغازية والكحول والأغذية المصنّعة. ويُخصَّص هذا البرنامج الغذائي لكل مريض بإشراف اختصاصي التغذية المعني بجراحة السمنة؛ فالنتائج طويلة الأمد ترتبط بالالتزام الغذائي بقدر ارتباطها بالجراحة نفسها.
هل مكملات الفيتامينات والمعادن ضرورية بعد الجراحة؟
تمثل مكملات الفيتامينات والمعادن بعد تكميم المعدة مكوّناً لا غنى عنه للصحة على المدى الطويل، ويستمر برنامج الدعم هذا مدى الحياة بعد جراحة السمنة. وصحيح أن التكميم لا يُحدث سوء امتصاص، إلا أن التقلص الكبير في حجم المعدة وتقييد كمية الطعام وانخفاض إنتاج حمض الهيدروكلوريك عوامل تجعل بعض العناصر الغذائية عرضة للنقص، ولهذا يشكّل تناول المكملات المنتظم جزءاً أساسياً من بروتوكول المتابعة المعياري بعد الجراحة.
وتشمل المكملات الموصى بها روتينياً: مركّب الفيتامينات والمعادن المتعددة، وفيتامين B12، وفيتامين D، والكالسيوم، والحديد. فقد يُلاحظ نقص فيتامين B12 بعد التكميم نتيجة انخفاض إنتاج العامل الداخلي، ويمكن تعويضه بحقن عضلية شهرية أو أقراص تحت اللسان يومياً. أما نقص فيتامين D فمنتشر أصلاً بين ذوي السمنة، وهو فيتامين محوري لاستمرار امتصاص الكالسيوم؛ ويمكن التوصية بجرعة يومية بين 1000 و2000 وحدة دولية تُعدَّل بحسب مستوى الدم. ويُفضَّل الكالسيوم بصيغة السيترات لأنه أفضل امتصاصاً بعد جراحة السمنة. ويُلاحظ نقص الحديد بوتيرة أعلى لدى النساء في سن الإنجاب، ويُعوَّض فموياً أو وريدياً عند الحاجة.
كما يدخل حمض الفوليك والزنك والمغنيزيوم والثيامين (فيتامين B1) والنحاس ضمن العناصر الدقيقة الواجب متابعتها. وتُجرى الفحوص المخبرية بوتيرة أعلى في السنة الأولى بعد الجراحة، ثم تستمر بفحوص سنوية في السنوات اللاحقة، فتُقيَّم بانتظام صورة الدم والفيريتين وفيتامين B12 وفيتامين D والكالسيوم والمغنيزيوم والزنك وحمض الفوليك ووظائف الكبد والكلى. ولدى المريضات اللواتي يخططن للحمل يُطبَّق دعم حمض الفوليك بعناية أكبر قبل الجراحة وبعدها. إن إهمال مكملات الفيتامينات والمعادن قد يفضي إلى تساقط الشعر وفقر الدم وتدهور صحة العظام وأعراض عصبية ووهن عام؛ ولذلك يؤدي برنامج الدعم دوراً حاسماً في الحفاظ على جودة الحياة والصحة العامة بعد الجراحة.
ما التدابير الممكنة للوقاية من ترهل الجلد بعد تكميم المعدة؟
يهيّئ فقدان الوزن السريع والملحوظ بعد تكميم المعدة الأرضية لظهور ترهل الجلد لدى معظم المرضى، ويكون الترهل أوضح في أسفل البطن وباطن الذراعين وباطن الفخذين والأرداف ومنطقة الصدر. وتتوقف درجته على عوامل فردية منها العمر ومرونة الجلد ومقدار الوزن المفقود وسرعة فقدانه والاستعداد الوراثي وتاريخ الحمل السابق وأضرار التعرض للشمس. وقد يكون الترهل أقل لدى الفئات العمرية الشابة بفضل مرونة جلدية أفضل، بينما تُلاحظ صورة أوضح لدى كبار السن.
ويمكن اتخاذ عدد من التدابير بعد الجراحة للحدّ من خطر الترهل قدر الإمكان. فشرب الماء الكافي يدعم مرونة الجلد، ويُعدّ تناول 2 إلى 2.5 لتر من السوائل يومياً توصية معيارية. كما يساعد البروتين الكافي في الحفاظ على الكتلة العضلية ودعم بنية الجلد. وتسهم تمارين المقاومة في زيادة الكتلة العضلية، لا سيما في أعلى الذراعين والبطن والساقين؛ فزيادة العضلات تحافظ على الامتلاء تحت الجلد وتخفف من مظهر الترهل. وتحقق تمارين المقاومة التي تبدأ من الأسبوع السادس بعد الجراحة بإشراف اختصاصي العلاج الطبيعي فائدة واضحة على المدى الطويل.
وللحفاظ على توازن رطوبة الجلد يُنصح بتناول متوازن للأحماض الدهنية واستخدام مرطبات موضعية. ويؤثر التدخين سلباً في مرونة الجلد ويوصى بالإقلاع عنه، كما تسهم الوقاية من الشمس في حماية سلامة الكولاجين. ويُفضَّل خلال مسار إنقاص الوزن التقدم بوتيرة متوازنة قابلة للاستمرار بدلاً من فقدان مفاجئ وسريع للغاية. وبعد استقرار الوزن في الشهرين الثاني عشر إلى الثامن عشر بعد الجراحة، يمكن في الحالات التي يظهر فيها ترهل جلدي شديد النظر في خيارات الجراحة التجميلية؛ فعمليات نحت القوام مثل شدّ البطن وشدّ الذراعين ورفع الثدي وشدّ الفخذين يمكن تطبيقها لمعالجة الترهل الدائم. غير أن هذه التدخلات تُخطَّط بوصفها مكمّلة لجراحة السمنة، في مرحلة استقرار الوزن ووفق الحاجة الفردية لكل مريض.
هل هناك احتمال لاستعادة الوزن بعد جراحة تكميم المعدة؟
يمثل احتمال استعادة الوزن بعد تكميم المعدة أحد أهم المحاور المحدِّدة لنتائج جراحة السمنة على المدى الطويل. وتشير بيانات الأدبيات الطبية إلى إمكانية ملاحظة استعادة وزن ذات دلالة لدى 10 إلى 30 بالمئة من الحالات خلال متابعة خمس سنوات بعد التكميم. ولا يُعزى ذلك إلى التقنية الجراحية وحدها؛ بل هو محصلة شاملة لالتزام المريض وعاداته الغذائية ومستوى نشاطه البدني والعوامل النفسية والاجتماعية والتأثيرات الهرمونية. ولا تعني استعادة الوزن عودة المريض إلى وزنه قبل الجراحة، بل تظهر عادة في صورة استرجاع جزء من الوزن انطلاقاً من أدنى وزن وصل إليه.
ومن الأسباب المعروفة لاستعادة الوزن: تراجع الالتزام بالعادات الغذائية، واختلال تخطيط الوجبات، وتناول الأغذية السائلة عالية السعرات (المشروبات السكرية والكحول والمشروبات الغنية بالكريمة)، وترسّخ سلوك تناول الوجبات الخفيفة المتكررة، وعدم الاستمرار في ممارسة الرياضة، والتكيّف طويل الأمد لهرمون الغريلين، واتساع حجم المعدة قليلاً بمرور الوقت. كما تُعدّ العوامل النفسية والاجتماعية مثل الاكتئاب واضطراب القلق وسلوك الأكل العاطفي من العوامل المهمة التي تسرّع استعادة الوزن؛ ولهذا يكتسب استمرار برامج الدعم النفسي بعد جراحة السمنة أهمية كبيرة.
وتتمثل المقاربة الأنجع للوقاية من استعادة الوزن في الالتزام ببرنامج المتابعة المنتظم منذ السنة الأولى بعد الجراحة؛ فعندما يُخطَّط دعم اختصاصي التغذية والعلاج السلوكي والنشاط البدني المنتظم والمتابعة النفسية معاً، يزداد النجاح طويل الأمد في ضبط الوزن بشكل ملحوظ. وفي الحالات التي تكون فيها استعادة الوزن واضحة يمكن النظر في خيارات الجراحة التصحيحية؛ إذ يمكن عند توفر الدواعي الملائمة التحويل من التكميم إلى تحويل مسار المعدة (RYGB أو OAGB) أو إجراء عمليات تصحيحية متقدمة مثل SADI-S (تحويل المسار الاثني عشري اللفائفي أحادي المفاغرة). غير أن الجراحة التصحيحية تحمل مخاطر أعلى من الجراحة الأولى وينبغي إجراؤها في مراكز ذات خبرة. ويتناول قسم الجراحة العامة في مستشفى كورو بأنقرة مسار عملية تكميم المعدة بصورة فردية لكل مريض في إطار الإرشادات السريرية الحديثة والمقاربات المستندة إلى الأدلة، ويمكن للمرضى الدوليين التواصل مع اختصاصيي الجراحة العامة في المستشفى للتقييم التفصيلي قبل الجراحة وتحديد التقنية الجراحية الملائمة وتخطيط برنامج المتابعة طويل الأمد.
تنبيه: المعلومات الواردة في هذه الصفحة مخصصة للتوعية العامة ولا تغني عن الفحص الطبي. تُحدَّد مسارات التشخيص والعلاج بشكل فردي لكل مريض؛ لذا يُرجى مراجعة طبيب مختص بشأن أي شكوى صحية.